أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
92
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
هنالك تبرز الحاجة القصوى أمام المتصدّين لوضع صيغة دستوريّة إسلاميّة من هذا القبيل إلى الاستعانة بمذاهب إسلاميّة لا تزال أبواب الاجتهاد مفتوحة عند فقهائها ولا يزال يمارس أولئك الفقهاء علاج المشاكل المستجدّة والمعاصرة عن طريق استنباط حكمها الإسلامي عن الكتاب والسنّة مباشرة . وفي هذا المجال نحن نرى أنّ ما أنتجته حركة الاجتهاد وسيره المتطوّر لدى علماء الشيعة في العراق وإيران من فتاوى فقهيّة وصياغات قانونيّة تعدُّ أثرى وأخصب ثروة فقهيّة وفكريّة يمكن أن يُستمدَّ منها في محاولة وضع الدستور الإسلامي المزمع عليه . بل لقد كان لفقهاء هذه المدرسة الفضل الكبير على الفكر الإسلامي بصورة عامّة والفكر الفقهي بصورة خاصّة بما حاوله ولا يزال يحاوله أحد كبار فقهاء هذه المدرسة في العراق بتقديم حلول وصيغ متكاملة متناسقة من الأنظمة الإسلاميّة التي تعالج مشاكل الحياة المعاصرة تكون مستمدّة ومستنبطة من مصادر التشريع الإسلامي مباشرة ، ممّا أثبت جدارة الفقه الإسلامي وقدرته على إشباع حاجات الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة المعاصرة وحلّ مشاكلها المعقدة بشكل أفضل وأمثل ممّا تعالجه الأنظمة الوضعيّة . وقد كان أحد نتاج إحدى هذه المحاولات الكتاب الإسلامي القيّم الشهير ( اقتصادنا ) الذي بحقّ قد ملأ فراغاً كبيراً وخطيراً على الفكر الإسلامي في مجابهته للتيّارات والاتّجاهات الاقتصاديّة الوضعيّة المعاصرة ، حيث رسم أصول المذهب والنظام الاقتصادي مستنبطاً إيّاه من الكتاب والسنّة دون تقيّد بإطار مذهبي معيّن ، بل لوحظ فيه إلى درجة بالغة أن تكون الصيغة المستخلصة للمذهب الاقتصادي الإسلامي موافقة مع أكبر عدد ممكن من آراء علماء الإسلام وفقهاء المذاهب المختلفة ، فجاء الكتاب فتحاً مبيناً في هذا المضمار يفتخر به المفكّرون الإسلاميّون ويعتبرونه مصدراً فقهيّاً ورصيداً إسلاميّاً ضخماً لا تستغني عنه الدراسات الاقتصاديّة الحديثة عن الأنظمة الاقتصاديّة الإسلامّية . وعلى هذا الأساس كيف يمكن الاستغناء في أيّة محاولة لوضع دستور إسلامي ناجح على مستوى العصر من آراء وأفكار مثل هذا الفقيه الإسلامي الكبير ومدرسته الفقهيّة الثرّة . وليست هذه المرة الأولى التي يطلب فيها الاستعانة بآراء مدارس فقهيّة إسلاميّة متنوّعة لوضع صيغة إسلاميّة اقتصاديّة أو قانونيّة ، فقد اتّفق أكثر من مرّة أن [ استعانت ] بعض الحكومات الإسلاميّة أو اللجان الرسميّة التي تشكّلت في إطارها لدارسة كيفيّة وضع أطروحة إسلاميّة لتنظيم بعض جوانب الحياة الاقتصاديّة بآراء وفتاوى فقهاء الشيعة ، وقد تمخّض بعض تلك المحاولات عن نتائج جيّدة نذكر منها على سبيل المثال الأطروحة المستمدّة من الفقه الإسلامي لمشروع بنك لاربوي ، التي وضعها فقيهنا السابق الذكر لتنظيم كافة الأدوار والخدمات التي تقوم بها المصارف والبنوك في الحياة الاقتصاديّة المعاصرة في صيغة إسلاميّة لاربويّة ، والتي كانت جواباً على طلب وجّهته إليه الحكومة الكويتيّة قبل عشر سنوات تقريباً ، وقد طبعت في الكويت ضمن كتاب تحت عنوان ( البنك اللاربوي في الإسلام ) ، وكذلك رجعت إليه بعض الدول العربية الأخرى حينما حاولت أن تطبّق الحدود وفقاً للشريعة الإسلاميّة « 1 » . وهكذا نستطيع أن نقول بأنّنا حينما نطالب باعتبار الفقه الشيعي وآراء فقهائهم مصدراً من المصادر التي لا بدّ وأن يستعان بها في وضع الصيغة الإسلاميّة للدستور لا يكون منطلقنا مجرّد الإحساس بضرورة تنجم عن كون الشيعة يشكّلون جزءاً معتدّاً به كمّاً وكيفاً من الأمّة الإسلاميّة التي يراد وضع الدستور لها فحسب ، بل نستند في ذلك أيضاً إلى مبرّرات علميّة موضوعيّة عرضنا جانباً منها آنفاً ، والتي [ نرجو ] أن تكون كافية لإقناع المسؤولين ممّن يتحمّلون أعباء هذه المسؤوليّة التاريخيّة الخطيرة بوجهة نظرنا هذه ، والله من وراء القصد وهو وليُّ التوفيق » « 2 » .
--> ( 1 ) المقصود الجماهيريّة العربيّة الليبيّة ؛ انظر أحداث سنة 1389 ه - ( 2 ) انظر الوثيقة رقم ( 555 ) .